الأحد، 27 أبريل 2008

العرب والعلمانية


" العرب والعلمانية " عنوان كبير لكتاب فقير!
بدرخان علي
تاريخ النشر: 2008-04-23



يبدو أنّ بعضَ المفاهيمِ والقضايا الفكريّة تُسيطر-دونَ غيرها- على الساحة الثقافيّة والإعلاميّة لأسباب سياسيّة ظرفيّة أو غير ذلك، فيتخذ السجالُ حولها طابعاً إعلاميّاً ودعائيّاً: مع أو ضد. ولا يعني ذلك أن لكلّ النتاج الثقافيّ المرحليّ السويّة والأهميّة المعرفيّة والتأريخيّة نفسها، بلا شك.هكذا كانت الحالُ مع موجةِ الحديث والكتابة عن "العولمة" قبل بضع سنوات التي تصدّرت صفحات المجلات والجرائد والكتب المتخصّصة والمؤتمراتِ و السّجالات الفكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة، ويبدو الآن أن إشكاليّات العولمة في طيّ النسيان على ما قد يستنتج المرء نظراً للغيابِ اللافتِ بعدَ طول حديثٍ وانشغال! والكتابةُ الرائجةُ على "المجتمع المدنيّ" قبل سنوات قليلة وندرتها فيما بعد توحي لنا وكأنّ المجتمع المدنيّ بات واقعاً محققاً في البلدان العربيّة!وهذا بحدّ ذاته ظاهرة عالميّة، لها أسباب مختلفة، أقصدُ التّركيز الإعلاميّ على قضايا دون سواها. لكنها عندنا في البلدان العربيّة تتخذّ طابعاً أشدّ وطأة: لأن التناول الفكريّ والأكاديميّ العربيّ ليس له دور علميّ فاعل في تبيئة المفاهيم الفكريّة والفلسفيّة ودراستها بعمقٍ ورويّة بمعزلٍ عن ضجيج الصحافة والتناول السريع والمبتسر.....وأشياءٍ أخرى.العلمانيّة..مالئةُ الكتب وشاغل المثقفين:على ذلك، كان بودّنا أن يقدّم الدكتور أحمد برقاوي (وهو أستاذ فلسفة في كلية الآداب بجامعة دمشق،ورئيس قسم الدراسات الفلسفية) في كتابه الصادر مؤخراً "العرب والعلمانية" لنا سبراً علميّاً منهجيّاً للعلمانيّة مفهوماً وتاريخاً وواقعاً وكذلك الإشكاليات التي رافقتها محليّاً وعالميّاً، وتخليص السجال العربيّ والإسلاميّ الراهن من ثنائية: مع أو ضد العلمانيّة...وأن نقرأ كلاماً متناسقاً والمهمة التي أوكلها البرقاوي لكتيبه.يدّعي مؤلفُ كتاب (العرب والعلمانية) في مقدمته: أنه يحاول أن يحدد العلمانيّة كمفهوم ويرصد تطور علاقة العرب به مثقفين وسياسيين وتقديم تصورات احتماليّة حول مستقبل العلمانيّة في الوطن العربيّ. لكنّه لم يوفّق، البتّة، في محاولته هذه. وليست المشكلة في عدد صفحات الكتيب القليلة، إنما في تلك الخفّة والتّسطيح التي تناول بها المؤلف موضوعاً شائكاً وإشكاليّاً وبصورة وَعظيّة وتبشيريّة لا ترتقي لمقاربةٍ ما، وعلى أية أرضيّة تحليليّة ومنهجٍ علميّ واحدٍ أو مركّب،لموضوعة العلمانيّة.وعلى سبيل المثال، نسوق ،هنا، تعريفه لـ"الهُوية"، ربّما يترفّع عن تقديمه بعضٌ من طلبة الأستاذ برقاوي:<< ما العلاقة بين العلمانية والهوية؟ربما يكون السؤال بهذه الصيغة غير مألوف ومستغرباً.لكن السؤال هو في صميم المسألة التي نحن بصددها.الهوية:شعور بالانتماء الذي ينجب التمايز بين البشر من حيث شعورهم الذاتي.ولا شك أن الإنسان ليس حراً في اختيار وعيه بالهوية أو يجد صعوبة حتى لو شاء بشكل عام.إذ يمكن للبشر في مجتمع واحد أن يعبروا عن انتماءاتهم أو وعيهم الذاتي أو هوياتهم بأشكال مختلفة.كأن يعبر إنسان ما عن هويته بأنه مسيحي وآخر بأنه مسلم وثالث بأنه يهودي.....>>فالمؤلّف يتحدث عن مفاهيم متباينة ومتقاطعة، ودون درايةٍ كافيةٍ منه يخلط بينها خلطاً واضحاً: الهويّة،الانتماء، الأصل، الذاتيّة، الأنا، الجنسية.....ولا يتوصل إلى تعريفٍ، وقبل ذلك إلى تصور ذهنيّ، للهويّة كمفهوم كُتِب عنه فلسفيّاً بالمقام الأول، كي يتمكّن من شرح "العلاقة بين العلمانية والهوية"، ويتوصل إلى ما يسميه "الهوية العلمانية " (ص19) حين لا تسعفه اللغة بمصطلح المواطنة.والحقيقةُ أن رفع العلمانيّة إلى مستوى "هوية" فيه أكثر من مبالغة. أنها ستعني،تالياً، ومهما قيل،إلى دينٍ وضعيّ وجامد عكس ما يرومه المرء: تعزيز قيم المواطنة والليبراليّة السياسيّة والثقافيّة. كما أن المنافسة مع الإسلاميين من منطلق خطاب "الهوية"، لا المواطنة وحقوق الإنسان والحرية الدينية والفكرية والقوانين الحديثة، يدخلنا في شرك اللاعقلانية وسباقٍ لا طائل منه. هذا لا يعني "مسايرة" الإسلاميين، على العكس. بل لأن سجال الهوية هذا ،تحديداً، يطيبُ للإسلاميين كثيراً فرؤيتهم للمجتمعات على أنها كتلة ثابتة متوارثة و مفطورة على ما يسمّى بالشريعة الإسلامية والطبيعة الإسلامية منذ الأزل إلى الأبد أقرب لقلب و"عقل" العامّة من الناس. أي "الهوية الإسلامية" المزعومة لمجتمعاتنا وتواريخنا.وليس بالأمر الحسن أن ننطلق من الأرضية ذاتها،أعني خطاب الهوية. ولا هو بالأمر المفيد كثيراً على درب العلمنة المأمولة وكما يقول واقعها المتحقق في بقاع عدة و بتنويعات متباينة في أرجاء المعمورة والتي جاءت العلمانيّة فيها،متأخرة عن دعوات الإصلاح الديني بكثير،كحصيلة لإزاحة السلطات الدينيّة بعيداً عن مجال الدولة العموميّ والمشترك الوطني، لكن في سياق ثورة الحداثة الشاملة والعميقة التي طالت البناء السياسيّ والاقتصاديّ-الاجتماعيّ والثقافيّ للدولة والمجتمع على حد سواء . و يجدر بالتنويه هنا على أن الباحث والمفكر السوري د.برهان غليون (المجدّد في هذا المجال،ولو تحفّظ المرء على بعض التفاصيل هنا وهناك)، في حدود متابعتنا،كان من السبّاقين لنقد الخطابات العلمانويّة الرائجة بدون تأملٍ كبير في مساراتها وبيئاتها المختلفة و توظيفاتها السياسيّة والاجتماعيّة.و توقف في غير مكان عند نقد "الطابع التبشيري الممل للخطاب العلموي، وما يتميز به من الجمود والثبات وتكرار الصيغ والعبارات والشعارات نفسها، دون أدنى مراجعة أو محاولة لتجديد الفكرة أو تعميقها، منذ نصف قرن" و بحسب غليون نفسه،"من كانت هويته العلمانية فلا هوية له. إنها موقف من العقيدة والهوية. والذين يحولونها إلى عقيدة يخلطون بينها والفلسفة اللادينية. فمن المفروض أن يستطيع المتدين أن يقول عن نفسه ويكون بالفعل علمانياً، وإلا فليس للعلمانية قيمة ولا مبرر على الإطلاق. فهي ممكنة فقط بانضمام المؤمنين لمبدئها، وليست ممكنة إطلاقا بعزلهم أو استبعادهم". مدخلٌ خاطئ!أصبحت حركات الإسلام السيّاسي، محور اهتمام الباحثين والإعلاميين في الغرب والمنطقة،نظراً للدور الذي تضطلع به هذه الحركات في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة ومقدرتها على التعبئة الجماهيريّة والشعبيّة، وامتداد تأثيرها السياسيّ والحركيّ للدول الأوربية والأمريكية ممثلة اليوم بتنظيماتٍ إرهابية،ينضوي تحت إطارها أفراد من بلدان عربية وإسلامية مختلفة،وهي في حقيقة الأمر شكل مستجدٌّ من الحركات الإسلامية ..لكن المعرفة بشؤون تلك التنظيمات الإرهابية وسُبل انتشارها وجذبها للشباب و تكتيتكاتها اللوجستية والمالية لن يغطي جزءاً هاماً من الواقع الأكثر تعقيداً الذي يبدو في وجهته العامة سائراً على درب " أسلمة المجتمع على مستوى العمق بعد أن كان إسلامياً ،أو مسلماً،على مستوى على السطح"؟. (أستعير هذا التعبير –بتصرفٍ شديد- من الدكتور صادق جلال العظم في معرض تعريفه للعولمة بأنها رسملة العالم على العمق بعد أن كان رأسمالياً على السطح.).والواقع أن المجتمعات العربية والإسلامية تعيش في هذه البرهة التاريخية حالاً من انفصامٍ كبير بين روح العصر وبين أوهامها المغرقة في ذاتويتها.لأول مرة يتم التعبير -إسلامياً وعربياًَ-عن الانفصال عن العالم والضجر منه على هذا النحو الفصيح والبليغ والسعي لبناء عالم مختلف كلياً غير موجود إلا في مخيلة هؤلاء ،وغير ممكن التحقق قديماً وحاضراً ومستقبلاً،يسمّى دولة الإسلام،دار النقاء والبراءة والسعادة.وبرأيي إن أية قراءة تستغني عن معاينة الوقائع المركبة والمتداخلة التي تدفع قطاعات كبيرة من مجتمعاتنا للانتحار الجماعي والارتياب من العالم كله،يصعب أن تفي الموضوع حقه.يمكن أن نضع جانباً – و لو لبعضٍ من الوقت- النظرية القائلة بأن انتعاش حركات الإسلام السياسي ما هي إلا مؤامرة على الحركات القومية والشيوعية والعلمانية العربية أو أنظمتها "التقدمية" أو تلك غير التقدمية،وأن ندفن رأسنا قليلاً في الواقع-بحثاً فيه،لا غروراً- ونتأمل في أحوالنا من جهاته كافة للخروج بتصورات أكثر واقعية وعقلانية لها،ومن ثم اجتراح حلولاً إبداعية لها ومخارج واقعية.كما أن هناك تجليات مختلفة للوعي الإسلامي اليوم والبارحة لا تختصر في كبسولة واحدة. من هنا نقول أنه خلال مناقشتنا لمفهوم العلمانيّة عربيّاً ،من الضروري إجراء مراجعة شاملة ومفصّلة لمُجمَل ما كتب حول العلمانيّة من مواقع مختلفة خلال العقود الأربعة المنصرمة: مفكرون وباحثون علمانيون وغير إسلاميين وكذلك إسلاميين ،كخطوة أولية على طريق البحث. وبإمكان المتابع أن يقع على مساهمات و مقاربات كبيرة وأساسية عن العلمانيّة ومن وجهات مختلفة ومتعاكسة (برهان غليون-عزيز العظمة،صادق جلال العظم ومحمد عابد الجابري و محمد أركون وجورج طرابيشي و سيّد القمني والمستشار محمّد سعيد العشماوي و سمير أمين وحسن حنفي وعبد الوهاب المسيري....) وهذا غائب تماماً عن كتاب محوره العرب والعلمانية؟باستثناء وقفة قصيرة عند قلّة من المصلحين في بدايات القرن الفائت والوقوف عند أصل الكلمة "العلمانية" عربياً ،هل هي من العِلم أم من العَالم، ودون الإتيان بجديد على هذا الصعيد ،أيضاً،لا نعثر على ما يفيد اتجاه البحث "العرب والعلمانية".هذا ما يفوّت على المؤلف ملاحظة الخيط الفكريّ الرابط بين الموقف من العلمانيّة والنظرة الأوسع لقضايا الدولة والمجتمع والتراث والدّين والحَدَاَثة. وإذا كان من المفيد تلخيص كتاب "العرب والعلمانية" للقارئ نستطيع القول-دون كبير إجحاف- أنه لا فكرة أصيلة في الكتاب، ولا مناقشة لأفكار أخرى ولا حوار أو سجال مع وجهات النظر الأخرى، المتفقة أو المختلفة ولا طرح لما قد يحفزّ القارئ،المتخصص أو غير المتخصص،لإعمال الذهن والعقل. كما عدم التركيز الواضح في مجمل الكتاب، وهذا ينمّ عن عدم مرور تلك المقولات العمومية المشكلة لمتن الكتاب،في مختبرٍ عقليّ وفلسفيّ،قبل ترجمتها كتابة وكلمات وأسلوباً..فجاءت أفكار مبتسرة،لا طائل منها،سوى التهويل من خطر إسلامي قادم،لم يتفضل الأستاذ برقاوي،باقتراح حلول مشرّفة لنا لإنقاذنا من واقعنا الراهن، وما قد يقينا من كوارث قادمة،سوى مقولات بلا تأصيل ولا تعيين واقعيّ"العلمانية والديمقراطية".غير أن الديمقراطيّة المُقترَحَة من قبل المؤلف، وكثيرين أمثاله ،ديمقراطيّة بلا ملامح وأسس،لا تناهض الاستبداد من حيث تفكيك نقطة(أو نقاط) ارتكاز الأنظمة الاستبدادية الرئيسة،باستثناء نظامٍ عربيّ بعينه (مسموحٌ بشتمه في سوريا!) وكأن النظام ذاك ينفرد بالديكتاتوريّة،لأنه "غير علماني"؟ أما "العلمانيون" الذين رفعوا شخوصهم وخطاباتهم وصورهم وأصنامهم لمرتبة المقدّس، ومارسوا استبداداً صريحاً "علمانياً "،فبم نفسر استبدادهم؟ وإلى أين نذهب بالصراع حول السلطة والثروة والقوة، "أسرار" الدولة التسلطيّة.......؟

*العرب والعلمانية:المؤلف أحمد برقاوي-دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر-دمشق-الطبعة الأولى أواخر 112.2007 صفحة من القطع الصغير.


مواجهة الفكر الطائفي


نحو مواجهة جدية مع الفكر الطائفي في لبنان مسعود ضاهر

الفكر الطائفي موروث قديم رافق تحوّل الأديان إلى طوائف من جهة، واستخدام الدين في السياسة من جهة أخرى. وقد استند إلى مؤسسات وزعامات محلية سابقة على ولادة الدولة العصرية، وشكلت القاعدة الأساسية لها في الحالة اللبنانية. وهناك دراسات علمية شمولية عالجت انقسامات الدين إلى طوائف أبرزها كتاب الشهرستاني: «الملل والنحل». بالإضافة إلى مئات الدراسات التي تناولت المسألة الطائفي في لبنان من زوايا مختلفة.
شكلت المؤسسات الطائفية ركيزة أساسية صلبة من ركائز المجتمع الأهلي التي تهتم بشؤون أبناء الطائفة أو الملة الصحية منها والسكنية والتعليمية والخيرية والدينية والاقتصادية وغيرها. وبسبب فشل بناء الدولة الوطنية في لبنان استمر عمل المؤسسات الطائفية بعد الاستقلال مما ساعد على تعميق النزعة الطائفية لدى اللبنانيين وتحولها إلى مذهبية أضعفت كل أشكال الانتماء الوطني في لبنان وباتت عقبة حقيقية تمنع استمرار الدولة اللبنانية وتجددها على أسس ديموقراطية ووطنية سليمة.
على جانب آخر، تعمل المؤسسات اللبنانية غير الطائفية إلى نشر الفكر الوطني الذي يدعو إلى مساواة حقيقية بين اللبنانيين. وهي تضم جميع مؤسسات المجتمع المدني ذات التوجه الشمولي غير الطائفي أو المذهبي وتستقطب الفئات اللبنانية الذين يتجاوزون حدود طوائفهم ويتصرفون كمواطنين أحرار ومتساوين في الحقوق والواجبات في دولة عصرية تقوم على حكم القانون والمؤسسات وتتعاون إلى أقصى حدود التعاون مع مثيلاتها في الدول العربية الأخرى.
شهد الفكر الطائفي في لبنان ثلاث مراحل متعاقبة: الطائفية المستقرة أو الموروثة، والطائفية المتفجرة تحت وطأة النزاعات المحلية بين زعماء الطوائف، لكنها ذات صلة بمشاريع إقليمية ودولية، والطائفية المدمرة التي تمنع بناء الدولة الوطنية، أو تجددها، وتقطع الطريق على النهوض القومي العربي. في المقابل، شهد لبنان مرحلة النهوض الوطني والقومي الذي تجلى بنضال اللبنانيين ضد الحكم العثماني ثم ضد الانتداب الفرنسي وتحقيق الاستقلال بفعل التضامن القومي العربي والمساندة الدولية. وشدد البيان الوزاري لأول حكومة استقلالية على عروبة لبنان واعتبر اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة فيه، ورفض الطائفية بوصفها وصمة عار على جبين لبنان واللبنانيين ودعا إلى تجاوزها. وقد رافق اللبنانيون، وبحماس كبير جميع حركات التحرر في الوطن العربي وساندوها بقوة. ودعموا القضية الفلسطينية بكل ما لديهم من إمكانات، وقاتلوا ضد المشروع الاستيطاني الصهيوني، ورفضوا توطين الفلسطينيين في بلاد الشتات ومنها لبنان. لكن هزيمة 1967 أدت إلى تراجع الفكر القومي العربي وعجزه عن مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني الزاحف بين الفرات والنيل، والمدعوم من الولايات المتحدة وغالبية دول العالم. فاكتفى العرب بتأسيس جامعة للدول العربية جمعت كل سلبيات النظام الإقليمي العربي.
وامتلأت الساحة العربية بشعارات جميلة لم تنفذ، منها: نفط العرب للعرب، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وفلسطين رأس الحربة في النضال العربي المشترك، وكثير غيرها. وخاضت الدول العربية بصورة مفككة في غالب الأحيان، حروباً متلاحقة ضد إسرائيل إلى أن أصيب المشروع القومي العربي بضربة أعادت تفكيك العرب، وأنعشت الانقسامات السابقة على قيام الدولة الوطنية ومنها الطائفية والقبلية والمذهبية والعرقية. فكان لبنان من أبرز تجلياتها، وجرى مؤخراً نقل كامل سلبيات النموذج اللبناني الطائفي إلى العراق.
بعد حرب أهلية استمرت خمسة عشر عاماً (1975 ـ 1989) وما زالت تداعياتها السلبية مستمرة حتى الآن، رجع اللبنانيون إلى مرحلة ما قبل ولادة الدولة الحديثة في لبنان. فانتقلوا من مجتمع الحرب إلى مجتمع السلم بقيادة زعماء الحرب أنفسهم. وهيمنت ذهنية الميليشيات الطائفية والمذهبية على مؤسسات الدولة اللبنانية وأعاقت عملها وإعادة تجددها على أسس وطنية سليمة. فبات اللبناني عاجزاً عن امتلاك وعي وطني في ظل ممارسات طائفية مدمرة. ولم يعد بمقدوره ممارسة حريته في ظل أحزاب ومنظمات طائفية ومذهبية تغلب الوعي الطائفي على الوعي الوطني. ويفتقر لبنان اليوم إلى المواطنية الجامعة وممارسة الحد الأدنى من احترام مبادئ المساواة بين اللبنانيين بصفتهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
وبعد أن سدت أبواب العمل بصورة شبه تامة أمام الشباب اللبناني، اختار طريق الهجرة إلى الخارج من دون رغبة بالعودة إلى وطن يحكمه زعماء الطوائف والميليشيات، ولا يتركون لشعبه القدرة على تأمين مقومات الحياة الكريمة وبناء عائلة مستقرة.
لقد عادت مشكلة بناء الدولة العصرية في لبنان ودول عربية أخرى بشكل حاد، وعلى أسس وطنية غير طائفية. وهنا تطرح أسئلة منهجية تتفرع من السؤال الأساسي: ما العمل؟
فهل إلغاء الطائفية السياسية هو أفضل الحلول للأزمة الطائفية في لبنان؟
في اعتقادي، لا يمكن إلغاء الطائفية السياسية إلا في إطار إصلاح تدريجي لمعوقات بناء الدولة العصرية غير الطائفية. فإلغاء الطائفية السياسية يأتي في سياق تطبيق الديمقراطية والعلمانية والليبرالية. إذ كيف تلغى الطائفية السياسية في مجتمع يولد طوائف وأجيالاً طائفية؟ ومن أولى واجبات اللبنانيين اليوم تجاوز الطائفية وبناء دولة المؤسسات والقانون والحكم الصالح والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.
وهل إلغاء الطائفية يعني إلغاء الطائفة نفسها؟
إلغاء الطائفة نوع من التصور الوهمي. فالإنسان اللبناني متمسك بطائفته قبل ولادة الدولة اللبنانية وبعدها. ووجود الدين أمر طبيعي حتى في أرقى دول العالم والأكثر ديموقراطية. لكن المشكلة في الطائفية هي تسييس الدين. ومن غير المحتمل أن تزول الطوائف في لبنان على المدى المنظور، وقد تبقى الطائفية مئات السنين. لكن الصيغة السياسية التي بُنيت عليها الدولة اللبنانية غير عملية وغير عقلانية. وليس من شك في أن دولة ديموقراطية علمانية ترعى شؤون الطوائف أكثر من النظام الطائفي الحالي.
وهل الصراع في لبنان طائفي أم سياسي تلعب الطائفية دوراً فاعلاً فيه؟
لقد شهد تاريخ لبنان صراعاً عنيفاً بين زعماء العائلات والطوائف. فالصراع على الزعامة هو في أساس النزاعات اللبنانية. وليس في تاريخ الطوائف اللبنانية ما يؤكد على وجود طائفة متضامنة أو موحدة بالكامل. على العكس من ذلك، فالخسائر البشرية غالباً ما تكون أكبر في الصراع على زعامة الطائفة وليس مع الطوائف الأخرى. وهو يتطور من الصراع على زعامة الطائفة إلى الصراع على زعامة المنطقة وصولاً إلى الصراع على الزعامة في لبنان. أما التضامن الطائفي الكامل فغير موجود في لبنان، وغالباً ما يكون مرحلياً إذا وجد.
لا خلاص للبنان إلا بالمواجهة الجدية مع الفكر الطائفي. فصعود الفكر الطائفي بشكل قوي جداً يحمل معه مشاريع مذهبية خطيرة تهدد وجود لبنان ومنطقة المشرق العربي بأكملها. إذ تشهد هذه المنطقة تناقضات داخلية لا حصر لها، منها القبلية والطائفية والمذهبية والعرقية والزعامة الفردية. وقد استدرج زعماء الطوائف تدخلات إقليمية ودولية لديها مشاريع معلنة لتفكيك المنطقة العربية وإعادة تركيبها وفق توجهات مستقبلية تخدم مشروع الشرق الأوسط الكبير. وقد شكل الفكر الطائفي والمذهبي، وما زال، سنداً قوياً لدعم المشروع الصهيوني. وهو يمنع الآن بناء الدولة الوطنية في لبنان أو حتى تجددها على أساس الميثاق الوطني.
لعل من أولى واجبات اللبنانيين اليوم منع الطائفية المتفجرة من التحول إلى طائفية مدمرة. والمطلوب تكاتف الجميع لإعادة لبنان بسرعة إلى مرحلة الطائفية المستقرة بعد شحن شباب الطوائف لدرجة تهدد بانفجار حرب أهلية جديدة اعتقد اللبنانيون أنهم تجاوزوها. إذ لم يتعظ اللبنانيون من ويلات الحرب الأهلية السابقة، ولم يحولوها إلى مادة علمية تدرس في المدارس والجامعات لاستخلاص الدروس من ويلاتها.
وقد تكون لدى حكماء اللبنانيين والعرب القدرة على منع تجدد الحرب وتهدئة صعود الفكر الطائفي. لكن ذلك لم يعد كافياً. فالنزاعات الطائفية والمذهبية والعرقية والقبلية تهزّ بشدة ركائز بعض الدول العربية. وأصبح الفكر الطائفي أداة مجربة لتفجير عدد من الدول العربية بعد أن تم اختباره في العراق في ظل الاحتلال الأميركي.
ختاماً، لقد بات لبنان أمام خيارات جذرية تتطلب حلولاً عقلانية تتلاءم مع طبيعة عصر العولمة وتحدياتها. فتجاوز الفكر الطائفي يتطلب مقولات نظرية جديدة تصلح كركائز صلبة لبناء دولة وطنية تتلاءم مع متطلبات عصر العولمة وهي: الديموقراطية الحقيقية على المستوى السياسي، والليبرالية المراقبة على المستوى الاقتصادي، والدولة العصرية القادرة على إدارة مجتمع متعدد الطوائف والعصبيات. وليس من شك في أن الصيغة الوطنية غير الطائفية هي الأمثل لبناء دولة ديموقراطية عصرية يتساوى فيها اللبنانيون بمعزل عن انتماءاتهم الطائفية.

نشر في جريدة السفير في 26/5/2008

موقع التجمع الديمقراطي العلمانيwww.tajam3.blogspot.com

www.tajam3.blogspot.com

التحدي المذهبي للعلمانية العربية

كتاب جورج طرابيشي*
التحدّي المذهبي للعلمانية العربية
بقلم خالد غزال
جريدة النهار 19/3/2008



يشهد العالم العربي والاسلامي اندلاعا لصراع اسلامي- اسلامي بين طائفتيه الرئيستين السنية والشيعية، وهو صراع لم يسبق ان اتخذ هذا المنحى المذهبي منذ قرون عديدة. يتداخل في هذا الصراع من كلا الجانبين اللاهوتي بالسياسي مما يضفي على النزاع حرارة وتوترا مرتفع المنسوب. تتبدى بوضوح الآثار السلبية لهذا الصراع على النسيج الاجتماعي في كل مكان يتداخل فيه الطرفان ويترك انعكاساته على العلاقات الاجتماعية والسياسية فيدخلها مدخل الافتراق وتأسيس عداوة تصل الى حدود القطيعة.
.
اثيرت نقاشات من كثير من النخب حول افضل الوسائل لتجنب هذا الصراع الذي تمتد جذوره في التاريخ، واستحضرت الحالات المشابهة في غير مكان كمثال على معالجة مثل هذه الصراعات، وكانت العلمانية ابرز الحلول لهذه الاشكاليات وجوابا عن الفصل بين المجال الديني والمجال السياسي. من الذين تطرقوا الى معالجة هذه الاشكالية الكاتب السوري جورج طرابيشي في كتابه الاخير بعنوان" هرطقات2، عن العلمانية كاشكالية اسلامية –اسلامية".

سبق لاوروبا ان شهدت نزاعا بين طوائفها ومذاهبها امتد لسنوات بين الكاثوليك والبروتستانت ودفع ثمنه الاوروبيون مئات الالاف من الضحايا ولم ينتهِ الا بعد صراع مرير بين المجالين السياسي والديني وانتهى الى الفصل بينهما وتحديد مجال كل واحد عبر نظام علماني يعطي للدين حقوقه ويعطي الدولة المدنية سلطتها في شؤون المواطن. لم يخلُ هذا الصراع من استحضار الدين المسيحي وتوظيف كل طرف لنصوصه بما يتوافق مع توجهاته، وهو ما اوجد تراثا لاهوتيا جعله كل طرف اساسا للصراع دفاعا عن الحقائق المطلقة التي يعتبر كل جانب امتلاكها فيما يقيم الآخر في الكفر والهرطقة. هكذا عرفت اوروبا تزييفا للصراع السياسي بين الدول والمقاطعات وسعى رجال الدين وخصوصا البابوات لامتلاك السلطتين الزمنية والدينية. .

لا يختلف الصراع الاسلامي - الاسلامي في الجوهر عما شهدته اوروبا في القرون الماضية. يعود هذا الصراع في الاصل الى النزاع على السلطة والثروة بين القبائل والعصبيات الموجودة اتخذت لها عنوانا النزاع على الحق بخلافة الرسول. تداخل هذا الصراع مع معطيات ناجمة عن التوسع الاسلامي في المناطق ودخول اقوام جديدة ذات تاريخ وتراث اثرت بالوافد الاسلامي وتأثرت به. نجم عن هذا النزاع انقسامات في المجتمعات الاسلامية وبروز احزاب وفرق متعددة وصل عددها الى حوالى 72 فرقة. وعلى غرار ما حصل في اوروبا، تداخل الصراع السياسي بالمعطيات الدينية المتأثرة بدخول الاسلام مناطق جديدة، ولجأ كل طرف الى وضع الدين بنصه القرآني والاحاديث النبوية واحكام وفتاوى الفقهاء في خدمة هذه النزاعات بحيث ينتقي كل طرف ما يناسب وجهة نظره ويجعل منها الحقيقة الوحيدة فيما تقبع سائر الفرق في الكفر ويتحدد مصيرها في نار الآخرة. وكما استقطب الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت الساحة الاوروبية، تمحور النزاع بين قطبيه من السنة والشيعة.
انتج الطرفان الاسلاميان تراثا يمتزج فيه الدين بالسياسة مما ولد منظومة فكرية- ايديولوجية بدأت بالتكون منذ اندلاع النزاع قبل 1400سنة وما زالت تتوالى مفاهيمها لدى فقهاء الطرفين حتى الزمن الراهن، وهي منظومة تنظّر لنبذ كل طرف وتزرع افكار الحقد وتستخدم الرموز التاريخية لتبيان استحالة التعايش الاسلامي..

يقدم طرابيشي لوحة معبرة عن تطور المنظومتين الايديولوجيتين. تركز المنظمة الايديولوجية السنية على اعتبار الشيعة مرتدة عن الدين الاسلامي، وتطلق عليها اسم "الرافضة"، ولا ترى انتسابا لابناء الشيعة الى الاسلام، وتذهب الى تكفيرهم ورفض اقامة علاقات معهم. ويذهب بعض الفقهاء الى القول بان الرسول احلّ قتل "الرافضة". ازدهرت الايديولوجيا السنية تجاه الشيعة على يد ابن تيمية الذي دعا الى قتال فرق الاسلام المخالفة وفي مقدمها الشيعية الامامية. واتخذت فتاوى ابن تيمية بعدا سياسيا بعد ان اصبحت عقيدة الدولة السعودية على يد محمد بن عبد الوهاب، والتأكيد على الاقصاء والتكفير والنبذ للروافض الشيعة. .
في المقابل اتخذت فتاوى ائمة الشيعة ومرجعياتها الدينية المنحى نفسه الذي اتخذته السنة، فسميت السنة "النواصب"، حيث يتحدد "الناصب" بمن ينصب العداوة لاهل البيت، والصقت بالنواصب صفة النجاسة. وذهب فقهاء الشيعة الى اعطاء مفهوم النجاسة بعدا لاهوتيا، وهو ما ترتب عليه ممارسات طالت الحياة المشتركة والعلاقات اليومية العامة بما فيها احكام المعاشرة. هكذا زرع ايديولوجيو الشيعة والسنة بذور الحقد والكراهية بين الطرفين، وهو ما يجد ترجمته اليوم في العلاقة المتوترة بينهما وانفجارها عنفا في اكثر من مكان. .
لا ينفصل انبعاث النزاع الطائفي اليوم في العالم العربي عن فشل هذا العالم في الدخول في الحداثة وعن مدى الاقامة الطويلة للتخلف في ربوعه. لم يكن لهذا الصراع دوره الحالي زمن النهوض القومي والاجتماعي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لكن فشل هذا المشروع التحديثي الذي عرفته المنطقة في ذلك الزمن والنتائج الارتدادية التي نجمت عنه وخصوصا الهزائم امام العدو القومي والعجز عن تحقيق الوعود في التقدم، كلها من العوامل المسؤولة عن عودة الموروث الطائفي وطغيانه على الحياة العامة والخاصة.
.
يطرح استخدام الدين في السياسة وتوظيفه في الصراعات الاجتماعية والسياسية قضية مركزية تتصل بالسبل القابلة لمنع هذا الاستخدام. يعتبر الفقهاء من السنة والشيعة ان الاسلام بخلاف المسيحية هو دين ودولة في الان نفسه، وهو امر يبرر دعواتهم الى اعطاء الدين الاولوية في التشريع والحكم. تثبت كل وقائع التاريخ الاسلامي منذ وفاة الرسول ان الاسلام لا يحوي نظاما للدولة، وان ما عرفه التاريخ كان على الدوام استخدام السلطان السياسي للدين ومؤسسته في تسويغ السلطة السياسية واضفاء المشروعية عليها. في هذا المجال، كثيرا ما لجأت السلطة السياسية الى اعطاء دور ما للمؤسسة الدينية في سياق العلاقة التبادلية بين الطرفين بما يكفل للسلطة السياسية تبعية المؤسسة الدينية لها واصدار الفتاوى اللازمة لقوانينها وتشريعاتها. لذا يتطلب الامر اعادة الدين الى موقعه الحقيقي بصفته الروحية والاخلاقية وفصله عن المجال السياسي من اجل ان يتمكن من القيام بدوره الفعلي.
.
لم تنهِ اوروبا حروبها المذهبية الا بعد ان تمكنت قواها الاجتماعية والسياسية من الفصل بين المجالين السياسي والديني عبر اعتماد العلمانية نظاما للدولة والمجتمع. لم تعنِ العلمانية يوما الغاء للدين او الطوائف، بل العكس تماما فان ما تدعو اليه حقا هو كيفية ممارسة كل مجال لعمله بما يسمح للدين من تطوير قضاياه الروحية والاخلاقية بحيث يمكنه ان يلعب دورا ايجابيا في الحياة العامة. في المقابل وحدها العلمانية تتيح للمجال السياسي عبر الدولة ومؤسسات المجتمع الاهلي والمدني ممارسة دورها بما يخدم التقدم والتطور. وحدها العلمانية تسمح بالتعددية والاعتراف بالآخر وبالمساواة امام القانون دون تمييز بين العرق او الجنس او المذهب والطائفة. يشترط ذلك اقتران العلمانية بالديموقراطية التي وحدها يمكن ان تحقق مثل هذه الانجازات. .
تبدو هذه العلمانية العنصر المقرر في تمكين اللاهوت الاسلامي بشقيه السني والشيعي من ان يتحرر من مقولتي "الرفض" و"النصب" ولازمتيهما في التكفير والنجاسة. لا يبدو الامر مبسطا في الزمن الراهن، فتحقق مثل هذا الانجاز سيكون حصيلة مشروع نهضوي حديث في جميع المجالات السياسية والدينية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية. لا تبدو قوى هذا المشروع متكونة بشكل يتيح تحقيقه، مما يعني ان زمنا سيمتد من اجل ولادة قوى مناهضة لهذا الاسر للمجتمعات العربية والاسلامية في قمقم الطوائف والمذاهب. .

(•) جورج طرابيشي – هرطقات 2، عن العلمانية كإشكالية اسلامية – اسلامية - "دار الساقي" - "رابطة العلمانيين العرب" - 2008

السبت، 12 أبريل 2008

برهان غليون

تجاوز الطائفية شرط لتحرير الدولة من المافيوية
برهان غليون / الحوار المتمدن



في كتابي "نظام الطائفية... من الدولة إلى القبيلة" المنشور عام 1990، طرحت نظرية تقول بأن الطائفية تنتمي إلى مجال السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة، وأنها تشكل سوقاً موازية، أي سوداء للسياسة، أكثر مما تعكس دفاعاً متعصباً عن دين أو مذهب. وفكرة السوق السوداء أو الموازية في السياسة تتنافى مع الاعتقاد السائد بأن الطائفية تقليد قديم ومستمر، وتجعل منها ظاهرة مرتبطة بحقبة الحداثة الجديدة وطابعها المفارق معاً. فنظام الملل التقليدي الذي عرفته المجتمعات الإسلامية، وأعطت الدولة العثمانية صيغته الأخيرة الراقية، يختلف كليا في مضمونه وطبيعته عن نظام الطائفية بالمعنى الذي نقصده اليوم.
فعلاقة السلطة التقليدية بالمجتمع كانت تمر حتماً بالتجمعات الأهلية، بل كان احترام هذه التجمعات من قبل السلطة وحفظ مصالحها الخاصة، يفترض الاعتراف بها كملل أو كجماعات مستقلة ومتميزة، ويستدعي تنظيما لهذه المصالح يأخذ بالاعتبار تعددها وتباين مواقعها وعقائدها. وكان وجود هذه الجماعات الأهلية والاعتراف بها ضماناً لحرية الأفراد النسبية وأمنهم معاً. في حين كان الافتقار إلى مثل هذا الاعتراف بالتنظيمات الأهلية يعني في الدولة التقليدية خطر الإضرار الدائم بمصالحها، وتعريض أفرادها لكل المخاطر الداخلية والخارجية. ولهذا يشكل التنظيم المللي في المجتمعات القديمة التي كانت السياسة فيها حكراً على النخبة الأرستقراطية، النمط الطبيعي، بل المتقدم، لتنظيم العلاقة بين النخبة الحاكمة والمجتمع على أساس من العدل وحفظ المصالح الخاصة وتوازنها معا. ونظام الملل هو الذي حفظ التعددية الطائفية والقومية في الشرق، بينما حلت، حيثما غاب هذا التنظيم، الحروب الدينية ورفض التعددية وتشابك السلطة الدينية والزمنية، وتعسف السلطة الفردية التي تبيح لنفسها التلاعب بمصالح الأفراد والجماعات من دون رقيب ولا حسيب حسب حاجتها ومصالحها.
لكن الأمر اختلف كثيراً مع نشوء المجتمع السياسي الحديث الذي يفترض أن السلطة مستمدة فيه من الشعب بأكمله، وأن علاقة الأفراد مع الدولة علاقة مباشرة لا تمر بوسيط طائفي، وأن كل فرد هو في الوقت نفسه مواطن، أي مسؤول، وله حق المشاركة في صوغ السياسات المتبعة. وللمشاركة هذه أثر مباشر على تقرير المصير العام. وبنوعية هذه المشاركة تتحدد طبيعة السلطة القائمة، ويتوقف مستقبل السياسة نفسها، وربما استمرار الدولة أو عدم استمرارها كإطار وطني جامع، في ما وراء التمايز بين الجماعات الأهلية. ولا يعتمد الحفاظ على وحدة الدولة والجماعة السياسية هنا على وجود حاكم مترفع يقف موقف الحكم من جميع المصالح والتجمعات والأفراد، ويقضي في شؤونهم، كما هو الحال في الممالك والسلطنات القديمة، لكن على اختيار المواطنين أنفسهم، وصحة هذا الاختيار. فأي تأثير على الناخب أو المواطن المشارك في تقرير المصير العام، سواء عبر شراء الأصوات أو استخدام الولاءات الدينية والأقوامية، يعطل الهدف من الاختيار، ويفسد السياسة والدولة الحديثتين، بقدر ما يسمح بتكوين مراكز قوى أهلية داخل الإدارة السياسية تعمل على خدمة المصالح الخاصة، وتمنع من التعبير الشفاف عن إرادة المجتمع الكلي، أو من ترجمة وحدته، من حيث هو إطار سياسي قانوني يجمع بين أعضاء متساوين وينشئ بينهم مصلحة مشتركة، لا من حيث هو مجتمع أهلي يبحث فيه كل فرد عن مصالح خاصة. إن الطائفية ترد السياسي إلى الأهلي وتلغي إمكانية نشوء دولة من النوع الوطني الحديث.
فإذا كانت الدولة الإمبراطورية تقوم على عقد بين طوائف وجماعات متباينة ومتمايزة، يجسده التسليم لملك حكم، هو رمز السياسة والسلطة بامتياز، وظيفته السهر على استمرار التوازنات واحترام المقامات، وكان يطلق عليه اسم العدل، فإن الاجتماع السياسي الحديث، يقوم على عقد بين أفراد أحرار ومستقلين يجسده دستور واحد يخضع له الجميع، بما في ذلك الرئيس أو الحاكم، مضمونه المشاركة المتساوية في تسيير شؤون الدولة الجامعة. وموضوع الصراع الرئيسي في هذا النظام هو انتزاع الحق في المشاركة من قبل الجميع وسعي البعض إلى حرمان هؤلاء وأولئك منه أملاً في احتكار قسم أكبر من موارد الدولة. لذلك فكل ما يلغي المنافسة الحرة على مناصب المسؤولية، يهدد هذا العقد الوطني ويقود إلى تقويض أسس الدولة الحديثة واستقرارها، بقدر ما يعطل آلية بناء الصعيد العمومي أو المعبر عن عمومية الدولة وقدرتها على الارتفاع فوق جميع المصالح الخاصة والجزئية.
لا دولة مع الطائفية، وليست الدولة الطائفية دولة بالمعنى الحقيقي، بقدر ما هي فوضى سياسية وحرب أهلية، قائمة أو مؤجلة.
وأصل مفارقة الطائفية أن الحداثة السياسية تعمم فكرة المشاركة الفردية، وما تتضمنه من اعتراف بالحرية والمساواة، في الوقت الذي لا تزال فيه شروط تحقيق هذه المشاركة غير متوفرة عملياً، إما بسبب تأخر مؤسسات الدولة أو ضعف الثقافة السياسية عند الأفراد أو بسبب التوزيع الصارخ في تفاوته للموارد المادية والمعنوية، أو بسبب طبيعة العلاقات الجيوسياسية والجيوستراتيجية. وهذا ما يخلق تفاوتاً أو فراغاً تستفيد منه الأطراف الأقوى في المجتمع لاختطاف الدولة والتلاعب بالرأي العام وقطع الطريق على مشاركة الآخرين أو الالتفاف على حقهم في المشاركة المتساوية من خلال تعبئة العصبيات البدائية. هكذا يحول تأخر المجتمع المدني وضعف منظماته، دون الرأي العام وممارسة دوره في ضبط السلطة التي تراكمها الدولة الحديثة. وهو ما يجعل من هذه الدولة، بعكس وظيفتها الأصلية، أفضل أداة في يد جماعات المصالح للتحكم بالمصير العام وفرض أجندتها الخاصة، والإمساك بمؤسسات الدولة والمجتمع من الداخل لتفريغها من محتواها العمومي، وتقويض أسس العملية السياسية.
يقود هذا الوضع إذا استمر من دون أن تنجح المجتمعات في استعادة سيطرتها على الدولة والتحكم فيها إلى تحويل البلاد إلى مزرعة خصوصية لأصحاب السلطة والنفوذ وشبكات المصالح المتحالفين مباشرة أو ضمناً مع زعماء الطوائف والعشائر والجماعات القومية، وفي أعقاب ذلك وكنتيجة له، إلى إشعال فتيل حرب أهلية مستمرة، كامنة أو علنية، تتغذى من إرادة السيطرة المطلقة للجماعات الحاكمة ونزوع الجماعات الأخرى إلى منعها من الاستئثار بالثروة، أو إلى الطموح للاستئثار بها مكانها. وما لم تبرز قوى جديدة تخترق العصبيات المتحاربة التي تلعب على نزاعاتها شبكات المصالح المافيوية، وما لم يتكون رأي عام مدرك لأن الدولة ليست إطار تقاسم المغانم، وتنمية المصالح الخاصة وتعظيمها، وإنما هي، بالعكس، الإطار الوحيد لتجاوزها، وبناء فضاء العمومية، القانوني والإنساني، الذي لا قانون ولا نظام ولا سلام من دونه، سيكون من الصعب الخروج من الحرب الأهلية. ذلك أن كل صيغة للاقتسام يفرضها ميزان قوى قائم، ستكون معرضة بالضرورة للنقض من قبل القوى والجماعات التي خسرت في الجولة السابقة.
فالمطلوب للخروج من الحرب ليس قسمة عادلة للدولة، على منوال التوزيع الطائفي للحصص، ولكن بالعكس رفع الدولة عن مبدأ القسمة نفسه، وتحويلها إلى إطار الاستثمار المشترك في الأخوة الوطنية والإنسانية، أي بناء دولة المواطنة والمواطنية. فليس هناك دولة مع الطائفية، وليست الدولة الطائفية دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بقدر ما هي فوضى سياسية دائمة وحرب أهلية، قائمة أو مؤجلة.

الدولة والطوائف

لبنان بين منطق الدولة ومنطق الطوائف
علي محمد جعفر/السفير

يبرز الصراع أحيانا بين منطق الدولة ومنطق القبائل والطوائف في ادارة شؤون الحكم. وقد ساد هذا الصراع في مراحل وظروف تاريخية معينة، ثم انحسر بفعل تطور الفكر الانساني لمصلحة منطق الدولة ومؤسساتها، ومبرر ذلك وجود الانسان في المجتمعات القديمة ضمن جماعات صغيرة منفصلة عن بعضها البعض، وهذا الواقع ادى الى وجود التضامن بين افراد كل جماعة في مواجهة الجماعات الاخرى، وذلك بهدف الدفاع عن نفسها، فكان منطق القوة هو السائد، وكانت القوة هي التي تنشئ الحق وهي التي تحميه ايضا.
وتمتع رؤساء القبائل في تلك المراحل التاريخية بسلطات واسعة شملت ارواح الاسر واموالها، وكان العقاب يهدف الى الانتقام من الجاني، وكان المعتدى عليه يقرر نوع الجزاء بحق المعتدي، وقد تتخلى عنه جماعته، ويفقد حمايتها ويصبح مهدور الدم يحل قتله من دون ان تترتب اي مسؤولية من أي نوع على الفاعل.
واللجوء الى التحكيم الالهي والأخذ بالثأر الفردي او الجماعي عرفته تلك الجماعات كظاهرة طبيعية لعدم وجود الدولة واجهزتها المختلفة التي حلت محل سلطات رؤساء القبائل بصورة تدريجية، وبتطور الفلسفة الانسانية خفت تلك الظواهر وفقدت من اهميتها نظرا لتنامي نظام الدولة وسلطاتها واحتكارها لاجراءات التحقيق والمحاكمات، وتوقيع الجزاء على المخالفين لاحكام القوانين التي قامت بتشريعها في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي طويت صفحة وحلت محلها صفحة جديدة بظهور الدولة وتعزيز بنيانها وكيانها القانوني.
ولو القينا نظرة شاملة على الواقع في لبنان لرأينا انه يندرج في المسار التاريخي العام لنمو الدولة وتطورها رغم كثرة التناقضات التي تتحكم به في بعض الاحيان والتي قد تؤدي الى زعزعة دورها والتشهير به عبر الازمات المتلاحقة التي نشأت في وجهه ما مهد لولادة ازمات اخرى اكثر تعقيدا او ضررا في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والامنية، واصبحت سياسة الهروب الى الامام هي الحل المعتمد بشأنها بصرف النظر عن طبيعتها وخطورتها الظاهرة، فالالتزام بحكم القوانين يجب ان يقوم على اساس الاقتناع بعدالتها حتى تؤدي وظائفها على اكمل وجه، وبذلك يكون منطق الطوائف قد ذاب في المفهوم القانوني دون ان يتناقض معه او ينمو منعزلا عنه. والفيلسوف الصيني كونفوسيوش يرى أن الاخلاق تشكل الاساس الاول لبناء الصلاحيات الاجتماعية القائمة على المحبة الاحترام، ورغم ذلك فان دور القانون لا يمكن انكاره ويرجع فساد الحكم الى انانية الحكام وقلة مؤهلاتهم وخبراتهم.
وهكذا فان الخيار المسلم به هو تبني منطق الدولة وتقديمه على أي منطق آخر من منطلق انه لا بديل عنه وهو الاصلح للمجتمعات الانسانية في مفهومها الحديث، والتي اختارتها لنفسها لتنظيم امورها، ومنع العادات الثأرية والفوضى وعدم الاستقرار، وإلا فإن البديل عنه يعني العودة الى مرحلة الجاهلية الاولى التي سادت فيها كوارث وحروب وانتهاكات لحقوق الانسان وحرياته بصورة مطلقة، وهذا لا يعني اننا اصبحنا نعيش في دائرة الامان بوجود الدولة واجهزتها، لكن بات الاتجاه العام في هذه المرحلة هو حماية تلك الحقوق في حدها الادنى والعمل على تعزيزها لصالح المجتمع الانساني ورفاهيته وهي خطوة تحتاج الى خطوات متلاحقة لبلوغ اهدافها في هذا النطاق.
ان منطق الغالب والمغلوب يصبح عديم الجدوى في ظل البحث عن الهوية وتقرير المصير والنزاعات الطائفية المستمرة والمهلكة بحيث يصبح من خلالها الانتصار مجرد وهم او دمار او موت لمن يعتبر نفسه انه المنتصر، وتكشف التجارب السابقة عن مستوى في المعالجة قاصر عن استيعاب المتغيرات السريعة التي تجتاح لبنان ومنطقة الشرق الاوسط بوجه عام، وفي خضم هذه الاحداث الصاخبة المطلوب منا كمواطنين وكواجب يمليه علينا الضمير الاجتماعي والقومي ان نتخلى عن مصالحنا الخاصة وعن انانيتنا، فيكون الولاء للوطن هو الحل للخروج من هذا النفق المظلم، ونكون قد اثبتنا من جديد أننا امة لها حضارتها وقيمها وتراثها وتستحق الحياة من اجل استكمال رسالتها في العمران البشري وبناء مجد متجدد للتاريخ في صورته المشرقة.
([) استاذ جامعي

العلمنة هي الحل

العلمنة هي الحل؟

سمير التنير
يشتق مصطلح العلمانية من العالم لا من العلم، وهو من الناحية الفلسفية يعني ان الحقيقة مصدرها العالم وليس الغيب، أي ما وراء العالم. وبالتالي فإن العلمانية لا تنفي الدين بالضرورة، ولكنها لا ترى ان الدين هو مصدر معرفة العالم وكذلك ليس هو مصدر التشريع والسلطة في عالم البشر. ان مصطلح العلمانية ليس قديم النشأة، بل هو مصطلح حديث نسبيا ويمكن ان نؤرخ لولادته بعصر النهضة الأوروبية الذي ولد على قاعدة التطور الصناعي والتقني والاجتماعي في أوروبا، وعلى قاعدة فصل الدين عن الدولة وانتزاع السلطات التي كانت تملكها الكنيسة بحجة كونها ظل الله على الأرض، فتتجاوز حدودها الدينية لتمارس سلطات سياسية واجتماعية وطبقية وتضفي على هذه السلطات شرعية الحق الإلهي، بدعوى ان رجال الكنيسة يملكون تفويضا إلهياً، ليس في شرح حقائق الدين فحسب، بل في إضفاء الشرعية على السلطة او نزعها منها. لذلك كانت العلمانية بمضمونها الفلسفي لجهة ان الحقيقة مصدرها العالم وليس الغيب، ولجهة فصل الدين عن الدولة نتيجة لمسار التطور في أوروبا، انتهى الى انجاز حضاري متكامل الجوانب والخصائص، وهي الجوانب والخصائص التي تتسم بها المدنية المعاصرة. عندما بدأ التفكير على مستوى المنطقة العربية، في أواخر عهد الدولة العثمانية وأثناء انحلالها ككيان سياسي جامع، عندما بدأ التفكير بحركة نهوض جديدة لهذه المنطقة، جرى اطلاق مفهوم العلمانية كشعار لمعالجة مشكلة المجتمع والسلطة والتنمية من قبل نخب تأثرت بتجربة النهوض الغربية. ويمكن ان نعتبر ان تشكل الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي على مستوى المنطقة العربية بعد انهيار الدولة العثمانية، هو انتصار للعلمانية حيث تم فعلا فصل الدين عن مؤسسات الدولة، وإن كان الدين استمر في الدولة بصورة رمزية، أي في بعض الحقول الجانبية من مستوى التشريع. ونستطيع على مستوى العلمنة في مفهومها الذي يفصل الدين عن الدولة، دون ان ينفي أساس الدين، ان نعتبر لبنان في نظامه التشريعي والقضائي، نظاما علمانيا، لا يستمد السلطة ولا الشريعة ولا الشرعية من أي دين من الأديان التي يعتنقها المواطنون. ولذلك فالنظام اللبناني بحاجة الى استكمال علمنته، وهذا الاستكمال يطال العنصر الطائفي في نظام الدولة والادارة اللبنانية، وفي التمثيل النيابي، (اعتبار الطائفية السياسية الأساس في بناء الدولة) ويطال ايضا نظام الأحوال الشخصية للطوائف اللبنانية، التي هي جزء من نظامه التشريعي. وهذان الجانبان هما محور أي مشروع لاستكمال العلمنة في لبنان. أما الاشكالية التي تواجه موضوع العلمنة في لبنان فهي التالية: يوجد من يطالب بإلغاء النظام الطائفي السياسي، معتبرا ان هذا النظام الطائفي هو أكبر ثغرة في علمنة لبنان. وأننا بإلغاء النظام الطائفي السياسي نكون قد حققنا العلمنة. ويرى ان نظام الاحوال الشخصية لا يخل بهذه العلمنة المطلوبة لانه يصون جانبا من جوانب التنوع الضروري للمجتمع اللبناني المنتمي الى أديان وطوائف متعددة. وأن إلغاء النظام الطائفي السياسي ممكن على مستوى الانتخابات النيابية وعلى مستوى الادارة ولكنه مستحيل على مستوى الأحوال الشخصية للبنانيين (لماذا؟) ونحن نقول ان هذا الاشكال هين الحل، اذ ان باستطاعة المواطن اللبناني اختيار نظام للأحوال الشخصية، ديني او مدني حسب رغبته الشخصية وبذلك تصان حريته تماما ونرضي رجال الدين الخائفين على فقدان وظائفهم في المحاكم الشرعية المختلفة والمتعددة المذاهب. تواجه مشروع علمنة الدولة في لبنان ثلاثة عوائق متفاوتة المستوى، وأولها اعتقاد المرجعيات الاسلامية السنية والشيعية ان العلمنة تتناقض ومفهوم الاسلام. وثانيها حرص الكنيسة على لعب دور في الحياة العامة اللبنانية، وخشية ابتعاد المسيحيين اللبنانيين وهم آخر قلعة مسيحية في هذا الشرق عن الدين تحت شعار العلمنة. وثالثها تخوف سياسيين لبنانيين بنوا زعاماتهم على الطائفية السياسية من انقراض دورهم اذا تعلمنت الحياة السياسية في لبنان. واشتدت مخاوف هؤلاء مع بروز أجيال لبنانية مثقفة ومتحررة ومتأثرة بحركة الديموقراطية والعدالة الاجتماعية. ان العائق الثالث مهم جدا لان إبعاد هذا الفصيل السياسي المعتمد على الطائفية السياسية، واجب بعلمنة وبدون علمنة. اما العائقان الأول والثاني فيستحقان معالجة حكيمة بسبب صيغة المجتمع اللبناني القائمة على أسس دينية وطائفية. ويقول بعض الباحثين الاجتماعيين اللبنانيين ان رفض المرجعيات الدينية المسيحية لهذا الأمر هو غير عقائدي سهل المعالجة في حال وضعت للعلمنة ضوابط (لماذا؟) اما الرفض الاسلامي فهو عقائدي يحتاج الى جهد مضن (لماذا ايضا؟). نرى بأن هذه التحفظات ممكنة الحل ما دام مشروع العلمنة اللبنانية سيأخذ في الاعتبار خصائص المجتمع اللبناني. تبقى الطائفية السياسية وما يتفرع عنها في الانتخابات النيابية وفي وظائف الدولة وفي مؤسسات المجتمع المدني، العلة الكبرى والعقبة المستحيلة التي يجب حلها، اذا أردنا كلبنانيين بناء مجتمع العدالة والمساواة في دولة حديثة متقدمة. لقد اقفل الدستور اللبناني بصيغته الحالية الباب أمام تطوير النظام اللبناني. فالمادة 95 الأصلية والمعدلة، وهي حجر الزاوية التي أقيم عليها البناء الطائفي نصت على «العدل الطائفي» المؤقت في ادارة شؤون الدولة وفي وظائفها (نعتقد ان هذا الأمر مستحيل كما دلت التجربة) كما حدد اتفاق الطائف اسلوبا لتنفيذ هذه العدالة الطائفية عبر نظام المحاصصة الظالم. المناصفة بين الدينيين والمحاصصة النسبية بين الطوائف والمناطق. وقد احترم السياسيون هذه المادة الدستورية، وأتقنوا التجييش لتطبيقها نصاً وروحاً. لقد طبقت الطبقة السياسية سياسة المحاصصة بأصولية سلفية أكيدة وصنعوا لها ديكورا أخلاقيا، وطلاء كلاميا، ومسحوقا تجميليا، وأحدثت المحاصصة الطائفية فسادا في كل المجالات: الفساد السياسي، والهدر المالي، والنهب المفضوح. فتح الدستور اللبناني نافذة صغيرة لتطوير النظام باتجاه إلغاء الطائفية السياسية. والنافذة المزعومة الواردة في المادة 95 معلقة حتى أجل غير مسمى. والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية لم تولد حتى الآن. ولو أتيح لها الولادة فستولد ميتة، لان الطائفي أذكى من ان يعلق أنشوطة الإعدام في رقبته. ولذلك يزداد النظام الطائفي انغلاقا على ذاته، وعزلة عن الناس. ولا يجد المواطنون مفرا من اللجوء الى الزعامات الطائفية لتسيير أمورهم. أما زعماء الطوائف فهم يدركون مخاطر الطائفية، ولكنهم يفضلون اللعب بها وقيادتها لانها مطية سهلة لتأمين اقصى المنافع والمصالح والنفوذ. إن إلغاء الطائفية السياسية يمهد لإلغاء الزعامات الطائفية وإلغاء امتيازاتها. فالمادة 95 اغلقت النوافذ كلها ورسمت عوضا عن ذلك اطارا غامضا لا يفتح نافذة للمستقبل. فما العمل ما دام اتفاق الطائف اتفاقا طائفيا بامتياز ادعى تطبيق «الطائفية العادلة» التي لا وجود لها؟! انهار النظام السياسي الطائفي في لبنان من تلقاء ذاته. وما الانقسام العمودي الحاصل في الطوائف الكبرى الا تعبير عن ذلك. فالموارنة انقسموا بين عونيين وقواتيين وكتائبيين. والانقسام يطال الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس، ضمن هذين التيارين، وانقسم السنة بين «تيار المستقبل» الذي لا يمكن له الادعاء بأي تراث وطني او نضالي، بل هو قائم أساسا على نظام «تبادل المنافع» بين قيادته وأنصاره. ويضم القسم الثاني من الطائفة السنية الناصريين الذين تضمهم حركات متعددة الى جانب التنظيمات الاسلامية الاخرى، من الأحباش، والتوحيد في طرابلس، والجماعة الاسلامية، التي لا نعرف أين تقف، هل هي في الغرب ام في الشرق او في الشمال او الجنوب؟ وانقسم الدروز ايضا بين جنبلاطيين وأرسلانيين وأنصار وئام وهاب. اما الطائفة الشيعية فبقيت استثناء موحدة حاليا بسبب العدوان الاسرائيلي المتواصل على الجنوب منذ عام .1978 ونعتقد ان التعدد الديموقراطي سيطالها حتماً في مستقبل الأيام. إن التسوية الأخيرة التي وضعت حدا لأزمة سياسية عاتية دامت اكثر من سنة، وشغلت بال اللبنانيين صبحا ومساء، خوفا من تجدد الحرب الأهلية والتي نعتقد انها لم تكن ممكنة الحدوث، بسبب انقسام الطوائف الكبرى المشار اليه اعلاه. اذ ان توحيد الطوائف لكلمتها هو الطريق الأقصر نحو الصدام والحرب الاهلية. وهذا ما لم يكن متوافراً. ونعتقد ان العماد ميشال سليمان سيكون خير خلف لقائده العظيم فؤاد شهاب، وكي يتم عبر الانتخابات المقبلة عام 2009 عبور لبنان من الطائفية السوداء البغضية الى العلمانية ونورها الوضاء. ([) كاتب لبناني