السبت، 12 أبريل 2008

العلمنة هي الحل

العلمنة هي الحل؟

سمير التنير
يشتق مصطلح العلمانية من العالم لا من العلم، وهو من الناحية الفلسفية يعني ان الحقيقة مصدرها العالم وليس الغيب، أي ما وراء العالم. وبالتالي فإن العلمانية لا تنفي الدين بالضرورة، ولكنها لا ترى ان الدين هو مصدر معرفة العالم وكذلك ليس هو مصدر التشريع والسلطة في عالم البشر. ان مصطلح العلمانية ليس قديم النشأة، بل هو مصطلح حديث نسبيا ويمكن ان نؤرخ لولادته بعصر النهضة الأوروبية الذي ولد على قاعدة التطور الصناعي والتقني والاجتماعي في أوروبا، وعلى قاعدة فصل الدين عن الدولة وانتزاع السلطات التي كانت تملكها الكنيسة بحجة كونها ظل الله على الأرض، فتتجاوز حدودها الدينية لتمارس سلطات سياسية واجتماعية وطبقية وتضفي على هذه السلطات شرعية الحق الإلهي، بدعوى ان رجال الكنيسة يملكون تفويضا إلهياً، ليس في شرح حقائق الدين فحسب، بل في إضفاء الشرعية على السلطة او نزعها منها. لذلك كانت العلمانية بمضمونها الفلسفي لجهة ان الحقيقة مصدرها العالم وليس الغيب، ولجهة فصل الدين عن الدولة نتيجة لمسار التطور في أوروبا، انتهى الى انجاز حضاري متكامل الجوانب والخصائص، وهي الجوانب والخصائص التي تتسم بها المدنية المعاصرة. عندما بدأ التفكير على مستوى المنطقة العربية، في أواخر عهد الدولة العثمانية وأثناء انحلالها ككيان سياسي جامع، عندما بدأ التفكير بحركة نهوض جديدة لهذه المنطقة، جرى اطلاق مفهوم العلمانية كشعار لمعالجة مشكلة المجتمع والسلطة والتنمية من قبل نخب تأثرت بتجربة النهوض الغربية. ويمكن ان نعتبر ان تشكل الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي على مستوى المنطقة العربية بعد انهيار الدولة العثمانية، هو انتصار للعلمانية حيث تم فعلا فصل الدين عن مؤسسات الدولة، وإن كان الدين استمر في الدولة بصورة رمزية، أي في بعض الحقول الجانبية من مستوى التشريع. ونستطيع على مستوى العلمنة في مفهومها الذي يفصل الدين عن الدولة، دون ان ينفي أساس الدين، ان نعتبر لبنان في نظامه التشريعي والقضائي، نظاما علمانيا، لا يستمد السلطة ولا الشريعة ولا الشرعية من أي دين من الأديان التي يعتنقها المواطنون. ولذلك فالنظام اللبناني بحاجة الى استكمال علمنته، وهذا الاستكمال يطال العنصر الطائفي في نظام الدولة والادارة اللبنانية، وفي التمثيل النيابي، (اعتبار الطائفية السياسية الأساس في بناء الدولة) ويطال ايضا نظام الأحوال الشخصية للطوائف اللبنانية، التي هي جزء من نظامه التشريعي. وهذان الجانبان هما محور أي مشروع لاستكمال العلمنة في لبنان. أما الاشكالية التي تواجه موضوع العلمنة في لبنان فهي التالية: يوجد من يطالب بإلغاء النظام الطائفي السياسي، معتبرا ان هذا النظام الطائفي هو أكبر ثغرة في علمنة لبنان. وأننا بإلغاء النظام الطائفي السياسي نكون قد حققنا العلمنة. ويرى ان نظام الاحوال الشخصية لا يخل بهذه العلمنة المطلوبة لانه يصون جانبا من جوانب التنوع الضروري للمجتمع اللبناني المنتمي الى أديان وطوائف متعددة. وأن إلغاء النظام الطائفي السياسي ممكن على مستوى الانتخابات النيابية وعلى مستوى الادارة ولكنه مستحيل على مستوى الأحوال الشخصية للبنانيين (لماذا؟) ونحن نقول ان هذا الاشكال هين الحل، اذ ان باستطاعة المواطن اللبناني اختيار نظام للأحوال الشخصية، ديني او مدني حسب رغبته الشخصية وبذلك تصان حريته تماما ونرضي رجال الدين الخائفين على فقدان وظائفهم في المحاكم الشرعية المختلفة والمتعددة المذاهب. تواجه مشروع علمنة الدولة في لبنان ثلاثة عوائق متفاوتة المستوى، وأولها اعتقاد المرجعيات الاسلامية السنية والشيعية ان العلمنة تتناقض ومفهوم الاسلام. وثانيها حرص الكنيسة على لعب دور في الحياة العامة اللبنانية، وخشية ابتعاد المسيحيين اللبنانيين وهم آخر قلعة مسيحية في هذا الشرق عن الدين تحت شعار العلمنة. وثالثها تخوف سياسيين لبنانيين بنوا زعاماتهم على الطائفية السياسية من انقراض دورهم اذا تعلمنت الحياة السياسية في لبنان. واشتدت مخاوف هؤلاء مع بروز أجيال لبنانية مثقفة ومتحررة ومتأثرة بحركة الديموقراطية والعدالة الاجتماعية. ان العائق الثالث مهم جدا لان إبعاد هذا الفصيل السياسي المعتمد على الطائفية السياسية، واجب بعلمنة وبدون علمنة. اما العائقان الأول والثاني فيستحقان معالجة حكيمة بسبب صيغة المجتمع اللبناني القائمة على أسس دينية وطائفية. ويقول بعض الباحثين الاجتماعيين اللبنانيين ان رفض المرجعيات الدينية المسيحية لهذا الأمر هو غير عقائدي سهل المعالجة في حال وضعت للعلمنة ضوابط (لماذا؟) اما الرفض الاسلامي فهو عقائدي يحتاج الى جهد مضن (لماذا ايضا؟). نرى بأن هذه التحفظات ممكنة الحل ما دام مشروع العلمنة اللبنانية سيأخذ في الاعتبار خصائص المجتمع اللبناني. تبقى الطائفية السياسية وما يتفرع عنها في الانتخابات النيابية وفي وظائف الدولة وفي مؤسسات المجتمع المدني، العلة الكبرى والعقبة المستحيلة التي يجب حلها، اذا أردنا كلبنانيين بناء مجتمع العدالة والمساواة في دولة حديثة متقدمة. لقد اقفل الدستور اللبناني بصيغته الحالية الباب أمام تطوير النظام اللبناني. فالمادة 95 الأصلية والمعدلة، وهي حجر الزاوية التي أقيم عليها البناء الطائفي نصت على «العدل الطائفي» المؤقت في ادارة شؤون الدولة وفي وظائفها (نعتقد ان هذا الأمر مستحيل كما دلت التجربة) كما حدد اتفاق الطائف اسلوبا لتنفيذ هذه العدالة الطائفية عبر نظام المحاصصة الظالم. المناصفة بين الدينيين والمحاصصة النسبية بين الطوائف والمناطق. وقد احترم السياسيون هذه المادة الدستورية، وأتقنوا التجييش لتطبيقها نصاً وروحاً. لقد طبقت الطبقة السياسية سياسة المحاصصة بأصولية سلفية أكيدة وصنعوا لها ديكورا أخلاقيا، وطلاء كلاميا، ومسحوقا تجميليا، وأحدثت المحاصصة الطائفية فسادا في كل المجالات: الفساد السياسي، والهدر المالي، والنهب المفضوح. فتح الدستور اللبناني نافذة صغيرة لتطوير النظام باتجاه إلغاء الطائفية السياسية. والنافذة المزعومة الواردة في المادة 95 معلقة حتى أجل غير مسمى. والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية لم تولد حتى الآن. ولو أتيح لها الولادة فستولد ميتة، لان الطائفي أذكى من ان يعلق أنشوطة الإعدام في رقبته. ولذلك يزداد النظام الطائفي انغلاقا على ذاته، وعزلة عن الناس. ولا يجد المواطنون مفرا من اللجوء الى الزعامات الطائفية لتسيير أمورهم. أما زعماء الطوائف فهم يدركون مخاطر الطائفية، ولكنهم يفضلون اللعب بها وقيادتها لانها مطية سهلة لتأمين اقصى المنافع والمصالح والنفوذ. إن إلغاء الطائفية السياسية يمهد لإلغاء الزعامات الطائفية وإلغاء امتيازاتها. فالمادة 95 اغلقت النوافذ كلها ورسمت عوضا عن ذلك اطارا غامضا لا يفتح نافذة للمستقبل. فما العمل ما دام اتفاق الطائف اتفاقا طائفيا بامتياز ادعى تطبيق «الطائفية العادلة» التي لا وجود لها؟! انهار النظام السياسي الطائفي في لبنان من تلقاء ذاته. وما الانقسام العمودي الحاصل في الطوائف الكبرى الا تعبير عن ذلك. فالموارنة انقسموا بين عونيين وقواتيين وكتائبيين. والانقسام يطال الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس، ضمن هذين التيارين، وانقسم السنة بين «تيار المستقبل» الذي لا يمكن له الادعاء بأي تراث وطني او نضالي، بل هو قائم أساسا على نظام «تبادل المنافع» بين قيادته وأنصاره. ويضم القسم الثاني من الطائفة السنية الناصريين الذين تضمهم حركات متعددة الى جانب التنظيمات الاسلامية الاخرى، من الأحباش، والتوحيد في طرابلس، والجماعة الاسلامية، التي لا نعرف أين تقف، هل هي في الغرب ام في الشرق او في الشمال او الجنوب؟ وانقسم الدروز ايضا بين جنبلاطيين وأرسلانيين وأنصار وئام وهاب. اما الطائفة الشيعية فبقيت استثناء موحدة حاليا بسبب العدوان الاسرائيلي المتواصل على الجنوب منذ عام .1978 ونعتقد ان التعدد الديموقراطي سيطالها حتماً في مستقبل الأيام. إن التسوية الأخيرة التي وضعت حدا لأزمة سياسية عاتية دامت اكثر من سنة، وشغلت بال اللبنانيين صبحا ومساء، خوفا من تجدد الحرب الأهلية والتي نعتقد انها لم تكن ممكنة الحدوث، بسبب انقسام الطوائف الكبرى المشار اليه اعلاه. اذ ان توحيد الطوائف لكلمتها هو الطريق الأقصر نحو الصدام والحرب الاهلية. وهذا ما لم يكن متوافراً. ونعتقد ان العماد ميشال سليمان سيكون خير خلف لقائده العظيم فؤاد شهاب، وكي يتم عبر الانتخابات المقبلة عام 2009 عبور لبنان من الطائفية السوداء البغضية الى العلمانية ونورها الوضاء. ([) كاتب لبناني

هناك تعليق واحد:

Unknown يقول...

تحياتي لكم
من رفيق علماني في عرسال