لبنان بين منطق الدولة ومنطق الطوائف
علي محمد جعفر/السفير
يبرز الصراع أحيانا بين منطق الدولة ومنطق القبائل والطوائف في ادارة شؤون الحكم. وقد ساد هذا الصراع في مراحل وظروف تاريخية معينة، ثم انحسر بفعل تطور الفكر الانساني لمصلحة منطق الدولة ومؤسساتها، ومبرر ذلك وجود الانسان في المجتمعات القديمة ضمن جماعات صغيرة منفصلة عن بعضها البعض، وهذا الواقع ادى الى وجود التضامن بين افراد كل جماعة في مواجهة الجماعات الاخرى، وذلك بهدف الدفاع عن نفسها، فكان منطق القوة هو السائد، وكانت القوة هي التي تنشئ الحق وهي التي تحميه ايضا.
وتمتع رؤساء القبائل في تلك المراحل التاريخية بسلطات واسعة شملت ارواح الاسر واموالها، وكان العقاب يهدف الى الانتقام من الجاني، وكان المعتدى عليه يقرر نوع الجزاء بحق المعتدي، وقد تتخلى عنه جماعته، ويفقد حمايتها ويصبح مهدور الدم يحل قتله من دون ان تترتب اي مسؤولية من أي نوع على الفاعل.
واللجوء الى التحكيم الالهي والأخذ بالثأر الفردي او الجماعي عرفته تلك الجماعات كظاهرة طبيعية لعدم وجود الدولة واجهزتها المختلفة التي حلت محل سلطات رؤساء القبائل بصورة تدريجية، وبتطور الفلسفة الانسانية خفت تلك الظواهر وفقدت من اهميتها نظرا لتنامي نظام الدولة وسلطاتها واحتكارها لاجراءات التحقيق والمحاكمات، وتوقيع الجزاء على المخالفين لاحكام القوانين التي قامت بتشريعها في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي طويت صفحة وحلت محلها صفحة جديدة بظهور الدولة وتعزيز بنيانها وكيانها القانوني.
ولو القينا نظرة شاملة على الواقع في لبنان لرأينا انه يندرج في المسار التاريخي العام لنمو الدولة وتطورها رغم كثرة التناقضات التي تتحكم به في بعض الاحيان والتي قد تؤدي الى زعزعة دورها والتشهير به عبر الازمات المتلاحقة التي نشأت في وجهه ما مهد لولادة ازمات اخرى اكثر تعقيدا او ضررا في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والامنية، واصبحت سياسة الهروب الى الامام هي الحل المعتمد بشأنها بصرف النظر عن طبيعتها وخطورتها الظاهرة، فالالتزام بحكم القوانين يجب ان يقوم على اساس الاقتناع بعدالتها حتى تؤدي وظائفها على اكمل وجه، وبذلك يكون منطق الطوائف قد ذاب في المفهوم القانوني دون ان يتناقض معه او ينمو منعزلا عنه. والفيلسوف الصيني كونفوسيوش يرى أن الاخلاق تشكل الاساس الاول لبناء الصلاحيات الاجتماعية القائمة على المحبة الاحترام، ورغم ذلك فان دور القانون لا يمكن انكاره ويرجع فساد الحكم الى انانية الحكام وقلة مؤهلاتهم وخبراتهم.
وهكذا فان الخيار المسلم به هو تبني منطق الدولة وتقديمه على أي منطق آخر من منطلق انه لا بديل عنه وهو الاصلح للمجتمعات الانسانية في مفهومها الحديث، والتي اختارتها لنفسها لتنظيم امورها، ومنع العادات الثأرية والفوضى وعدم الاستقرار، وإلا فإن البديل عنه يعني العودة الى مرحلة الجاهلية الاولى التي سادت فيها كوارث وحروب وانتهاكات لحقوق الانسان وحرياته بصورة مطلقة، وهذا لا يعني اننا اصبحنا نعيش في دائرة الامان بوجود الدولة واجهزتها، لكن بات الاتجاه العام في هذه المرحلة هو حماية تلك الحقوق في حدها الادنى والعمل على تعزيزها لصالح المجتمع الانساني ورفاهيته وهي خطوة تحتاج الى خطوات متلاحقة لبلوغ اهدافها في هذا النطاق.
ان منطق الغالب والمغلوب يصبح عديم الجدوى في ظل البحث عن الهوية وتقرير المصير والنزاعات الطائفية المستمرة والمهلكة بحيث يصبح من خلالها الانتصار مجرد وهم او دمار او موت لمن يعتبر نفسه انه المنتصر، وتكشف التجارب السابقة عن مستوى في المعالجة قاصر عن استيعاب المتغيرات السريعة التي تجتاح لبنان ومنطقة الشرق الاوسط بوجه عام، وفي خضم هذه الاحداث الصاخبة المطلوب منا كمواطنين وكواجب يمليه علينا الضمير الاجتماعي والقومي ان نتخلى عن مصالحنا الخاصة وعن انانيتنا، فيكون الولاء للوطن هو الحل للخروج من هذا النفق المظلم، ونكون قد اثبتنا من جديد أننا امة لها حضارتها وقيمها وتراثها وتستحق الحياة من اجل استكمال رسالتها في العمران البشري وبناء مجد متجدد للتاريخ في صورته المشرقة.
([) استاذ جامعي
علي محمد جعفر/السفير
يبرز الصراع أحيانا بين منطق الدولة ومنطق القبائل والطوائف في ادارة شؤون الحكم. وقد ساد هذا الصراع في مراحل وظروف تاريخية معينة، ثم انحسر بفعل تطور الفكر الانساني لمصلحة منطق الدولة ومؤسساتها، ومبرر ذلك وجود الانسان في المجتمعات القديمة ضمن جماعات صغيرة منفصلة عن بعضها البعض، وهذا الواقع ادى الى وجود التضامن بين افراد كل جماعة في مواجهة الجماعات الاخرى، وذلك بهدف الدفاع عن نفسها، فكان منطق القوة هو السائد، وكانت القوة هي التي تنشئ الحق وهي التي تحميه ايضا.
وتمتع رؤساء القبائل في تلك المراحل التاريخية بسلطات واسعة شملت ارواح الاسر واموالها، وكان العقاب يهدف الى الانتقام من الجاني، وكان المعتدى عليه يقرر نوع الجزاء بحق المعتدي، وقد تتخلى عنه جماعته، ويفقد حمايتها ويصبح مهدور الدم يحل قتله من دون ان تترتب اي مسؤولية من أي نوع على الفاعل.
واللجوء الى التحكيم الالهي والأخذ بالثأر الفردي او الجماعي عرفته تلك الجماعات كظاهرة طبيعية لعدم وجود الدولة واجهزتها المختلفة التي حلت محل سلطات رؤساء القبائل بصورة تدريجية، وبتطور الفلسفة الانسانية خفت تلك الظواهر وفقدت من اهميتها نظرا لتنامي نظام الدولة وسلطاتها واحتكارها لاجراءات التحقيق والمحاكمات، وتوقيع الجزاء على المخالفين لاحكام القوانين التي قامت بتشريعها في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي طويت صفحة وحلت محلها صفحة جديدة بظهور الدولة وتعزيز بنيانها وكيانها القانوني.
ولو القينا نظرة شاملة على الواقع في لبنان لرأينا انه يندرج في المسار التاريخي العام لنمو الدولة وتطورها رغم كثرة التناقضات التي تتحكم به في بعض الاحيان والتي قد تؤدي الى زعزعة دورها والتشهير به عبر الازمات المتلاحقة التي نشأت في وجهه ما مهد لولادة ازمات اخرى اكثر تعقيدا او ضررا في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والامنية، واصبحت سياسة الهروب الى الامام هي الحل المعتمد بشأنها بصرف النظر عن طبيعتها وخطورتها الظاهرة، فالالتزام بحكم القوانين يجب ان يقوم على اساس الاقتناع بعدالتها حتى تؤدي وظائفها على اكمل وجه، وبذلك يكون منطق الطوائف قد ذاب في المفهوم القانوني دون ان يتناقض معه او ينمو منعزلا عنه. والفيلسوف الصيني كونفوسيوش يرى أن الاخلاق تشكل الاساس الاول لبناء الصلاحيات الاجتماعية القائمة على المحبة الاحترام، ورغم ذلك فان دور القانون لا يمكن انكاره ويرجع فساد الحكم الى انانية الحكام وقلة مؤهلاتهم وخبراتهم.
وهكذا فان الخيار المسلم به هو تبني منطق الدولة وتقديمه على أي منطق آخر من منطلق انه لا بديل عنه وهو الاصلح للمجتمعات الانسانية في مفهومها الحديث، والتي اختارتها لنفسها لتنظيم امورها، ومنع العادات الثأرية والفوضى وعدم الاستقرار، وإلا فإن البديل عنه يعني العودة الى مرحلة الجاهلية الاولى التي سادت فيها كوارث وحروب وانتهاكات لحقوق الانسان وحرياته بصورة مطلقة، وهذا لا يعني اننا اصبحنا نعيش في دائرة الامان بوجود الدولة واجهزتها، لكن بات الاتجاه العام في هذه المرحلة هو حماية تلك الحقوق في حدها الادنى والعمل على تعزيزها لصالح المجتمع الانساني ورفاهيته وهي خطوة تحتاج الى خطوات متلاحقة لبلوغ اهدافها في هذا النطاق.
ان منطق الغالب والمغلوب يصبح عديم الجدوى في ظل البحث عن الهوية وتقرير المصير والنزاعات الطائفية المستمرة والمهلكة بحيث يصبح من خلالها الانتصار مجرد وهم او دمار او موت لمن يعتبر نفسه انه المنتصر، وتكشف التجارب السابقة عن مستوى في المعالجة قاصر عن استيعاب المتغيرات السريعة التي تجتاح لبنان ومنطقة الشرق الاوسط بوجه عام، وفي خضم هذه الاحداث الصاخبة المطلوب منا كمواطنين وكواجب يمليه علينا الضمير الاجتماعي والقومي ان نتخلى عن مصالحنا الخاصة وعن انانيتنا، فيكون الولاء للوطن هو الحل للخروج من هذا النفق المظلم، ونكون قد اثبتنا من جديد أننا امة لها حضارتها وقيمها وتراثها وتستحق الحياة من اجل استكمال رسالتها في العمران البشري وبناء مجد متجدد للتاريخ في صورته المشرقة.
([) استاذ جامعي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق